حزب البحر
حزب البحر هو حزبٌ مشهور للإمام أبي الحسن الشاذلي. وقد تلقّى الإمام الجليل هذا الحزب عن النبي ﷺ في المنام وهو في طريقه لأداء فريضة الحج، بعد أن تأخرت رحلته بسبب مخالفة الرياح. ويُقرأ حزب البحر على نطاق واسع للحفظ من الأذى، وتفريج الكروب، ولأغراض أخرى بحسب نية القارئ وهمته الروحية.
اقرأ أقلالنص العربي
فيديو

حول حزب البحر
يتكوّن حزب البحر في جانب كبير منه من آيات قرآنية وأدعية نبوية واردة في كتب الحديث المعتمدة. وقد ظل يُقرأ على نطاق واسع في أنحاء العالم الإسلامي على مدى قرون عديدة، مما يدل على ما حظي به من قبول واسع لدى الأمة.
أصل حزب البحر
وردت قصة نشأة حزب البحر في روايات مبكرة نُقلت عن أصحاب الإمام أبي الحسن الشاذلي وأهل بيته. وممن روى قصته الشيخ أبو العزائم ماضي بن سلطان، الذي رواها في تونس، والشيخ شرف الدين ابن الإمام الشاذلي، الذي نقلها في دمنهور الوحش، إحدى مدن دلتا النيل بمصر، سنة 715هـ (1315–1316م). قالوا:
عزم الشيخ [أبو الحسن الشاذلي] على الخروج من القاهرة لأداء الحج، بعد أن كانت القافلة الرئيسية للحجاج قد رحلت بوقت غير طويل. فقال: «قد أُمرت بالحج في هذه السنة، فالتمسوا لي مركبًا في النيل يحملني إلى صعيد مصر». فبحثنا عن مركب فلم نجد إلا مركبًا للنصارى، وكان فيه شيخ نصراني كبير في السن وأبناؤه. فقال الشيخ: «نركبه».
فركبنا المركب وخرجنا من القاهرة. وبعد يومين أو ثلاثة خالفتنا الريح، فاضطررنا إلى التوقف في موضع غير مأهول على ضفاف النيل. وأقمنا هناك قرابة أسبوع، وكانت تلال القاهرة لا تزال تبدو لنا. فقال أحد الحجاج الذين كانوا معنا: «كيف يقول الشيخ إنه أُمر بالحج في هذه السنة وقد تأخر الوقت إلى هذا الحد؟ ومتى تنتهي هذه الرحلة؟»
وعند الظهر نام الشيخ، فلما استيقظ قرأ هذا الحزب، ثم استدعى ربان السفينة وسأله عن اسمه. فقال إن اسمه مسمار. فقال له الشيخ: «يا مسمار المبارك، ارفع القلوع». فتعجب الربان وقال: «أفنرجع إلى القاهرة يا سيدي؟» فقال الشيخ: «بل نمضي في طريقنا إن شاء الله». فقال مسمار: «مع هذه الريح سنعود إلى القاهرة قبل حلول الليل، ثم إنها شديدة جدًا ولا يمكننا الإبحار معها». ومع ذلك قال له الشيخ: «ارفع القلوع على بركة الله».
فرفعنا القلوع كما أمر، وبأمر الله تحولت الريح إلى صالحنا، وملأت القلوع بقوة ومباغتة حتى إن البحارة لم يتمكنوا من فك حبل المرسى في الوقت المناسب، فلم يجدوا بدًا من قطعه. وحملتنا الريح إلى الأمام فواصلنا رحلتنا. ولما رأى الربان وأخوه ما وقع أعلنا إسلامهما. فبكى أبوهما وصاح: «لقد فقدت ابنيَّ في هذه الرحلة!» فقال له الشيخ مطمئنًا: «بل كسبتهما».
وفي تلك الليلة رأى الشيخ النصراني الكبير في السن في منامه يوم القيامة، ورأى الجنة والنار، ورأى الشيخ يقود جمعًا عظيمًا إلى الجنة، وكان ابناه من بينهم. فلما أراد أن يلحق بهم مُنع، وقيل له: «لا تكون معهم حتى تدخل في دينهم». فلما استيقظ قص رؤياه على الشيخ وأسلم. فقال له الشيخ: «الذين رأيتهم معي هم أتباعي إلى يوم القيامة».
ثم واصلنا رحلتنا، ويسّر الله لنا الطريق ووقعت لنا أحداث عجيبة كثيرة يطول ذكرها. وفي النهاية وصلنا جميعًا إلى الحج وأدّيناه في تلك السنة.
وروى سيدي ماضي رحمه الله أيضًا أن ذلك الشيخ أسلم وصار بعد ذلك من كبار أولياء الله. فباع سفينته، وصحبنا هو وأبناؤه في الحج، ثم أقام بعد ذلك زاوية في صعيد مصر. وظهرت على يديه كرامات كثيرة، وكان ما وقع في هذه الرحلة من جملتها. رحمه الله تعالى ورضي عنه.
وقال الشيخ:
«والله لقد أخذت هذا الحزب عن رسول الله ﷺ نفسه، وقد أملاه عليَّ كلمةً كلمةً. وقال لي: احفظه، فإن فيه اسم الله الأعظم. وحيثما قُرئ هذا الحزب كان الأمان والحفظ. ولو أن أهل بغداد عرفوه وقرؤوه لما دخلها التتار».
قراءة حزب البحر
ذكر ابن عياد في كتابه المفاخر العلية في المآثر الشاذلية ما يأتي في شأن قراءة حزب البحر:
قال الشيخ عبد الرحمن البسطامي في حزب البحر: «لقد انتشر في البلاد، واشتهر وعظم قدره، وصار يُقرأ في مساجد كثيرة ويُعلن به في شتى الأماكن».
وذكر العلماء أن حزب البحر يشتمل على اسم الله الأعظم والسر الجامع الكبير. بل رُوي عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي نفسه أنه قال: «لو دُعي بحزبي في بغداد لما أُخذت».
وقد وُصف حزب البحر بأنه زاد وفير وحصن منيع، تُدفع به الشدائد والبلايا بألطاف خفية من عالم الغيب. ويُقال إن المكان الذي يُقرأ فيه يكون محفوظًا من الآفات ومصونًا من المصائب. وللمبتدئين في طريق السلوك قيل إن فيه أسرارًا شفائية، أما من بلغوا المراتب العليا فقد تنكشف لهم بسببه أنوار روحانية باهرة.
ورُوي أن من قرأ حزب البحر كل يوم بعد طلوع الشمس استجاب الله دعاءه، وفرّج كربه، ورفع قدره بين الناس، وشرح صدره بمعرفة التوحيد، ويسّر أموره، وسهّل صعابه، وحفظه من شر الإنس والجن، ووقاه نوائب الليل والنهار. ومن نظر إليه أحبه، وإن قرأ الحزب بحضرة جبار حُفظ من شره.
ومن قرأ حزب البحر عقب كل صلاة، قيل إن الله يغنيه فلا يفتقر إلى خلقه، ويحفظه من تقلبات الزمان، ويهديه إلى السعادة في كل حركة وسكون. ومن قرأه في الساعة الأولى من يوم الجمعة جعل الله له المحبة في قلوب الناس.
وقال بعض العلماء: إذا كُتب حزب البحر على شيء حُفظ ذلك الشيء بقدرة الله وقوته. ومن داوم على قراءته قيل إنه يُحفظ من الموت خنقًا أو غرقًا أو حرقًا أو بصاعقة. وإذا انقطعت الريح عن قوم في سفينة فقرؤوه، جاءت لهم ريح موافقة بإذن الله. وإذا كُتب على سور مدينة أو بيت، حفظ الله تلك المدينة أو ذلك البيت من الحوادث المفاجئة والآفات.
وقيل أيضًا إن لحزب البحر فوائد عظيمة في أوقات الحرب، ووُصف بأنه دعاء لطلب النصر والمدد الإلهي على جميع الأعداء، من الإنس والجن. وهذه بعض الفوائد المنقولة في شأنه. ورحم الله من قال:
ادعُ بحزب البحر ترَ العجائب،
وتُيسَّر لك الأمور وتُمنح القوة.
وترَ البحر طائعًا والريح مسخّرة،
ويأتيك اللطف سريعًا ويطيب لك الزمان.
ويجوز قراءة حزب البحر منفردًا أو جماعةً، سواءً للانتفاع العام أو لقضاء حاجة معينة. ويقول الشيخ نوح حاميم كيلر في كتابه Sea Without Shore: A Manual of the Sufi Path:
«يُقرأ حزب البحر بعد صلاة العصر. ويقرأه بعضهم عند طلوع الشمس، وله في ذلك الوقت خواص معينة. كما يُقرأ عند وجود حاجة خاصة، وحينئذ يستحضر القارئ نيته عند قوله: “وسخّر لنا هذا البحر”. وكغيره من أحزاب الطريقة، ينبغي حفظه وقراءته من القلب كأنه كلام القارئ نفسه، مع تمام الحضور مع من يناجيه. وليس هو عصًا سحرية، وإنما هو تعبير عن العبودية والفقر إلى الله. والمقصود من هذه الأوراد عمومًا ليس مجرد تدريب القلب على الدعاء، بل الوصول في نهاية المطاف إلى إزالة الغفلة عن الله، ولذلك ينبغي للقارئ أن يجتهد في حضور القلب. فهي وإن كانت محفوظة، فليست ترديدًا آليًا».
وكتب سيدي أحمد زروق في شرحه لحزب البحر:
«تختلف كيفية استعمال حزب البحر بحسب النية والهمة الروحية. فيُقرأ لجلب النفع أو دفع الضرر، وتُستحضر النية الخاصة عند بلوغ قوله: “وسخّر لنا هذا البحر”. وقد ذكر ذلك ابن عباد رحمه الله، وذكر المصنف أنه رآه مكتوبًا بخط ابن عباد نفسه ومصححًا له.
وقال ابن عطاء الله في لطائف المنن: “حزب البحر ورد يُقرأ بعد صلاة العصر، وأما الحزب الكبير فبعد صلاة الفجر”. وأضيف أن المناجاة، وهي الأدعية الختامية من حكم ابن عطاء الله، تُقرأ في الجزء الأخير من الليل قبل الفجر.
ولكل واحد من هذه الأعمال سر روحاني خاص، وقد يظهر لمن يداوم عليها في وقت قريب، بشرط أن يلتزم التقوى والاستقامة وألا يحمّل نفسه ما لا تطيق. والله أعلم».
شروح حزب البحر
إلى جانب انتشار قراءة حزب البحر بين عامة المسلمين، حظي الحزب أيضًا باهتمام كبير من علماء المسلمين، فخصّص عدد منهم مؤلفات وشروحًا لبيان معانيه وأسراره الروحية. ومن اللافت أن أصحاب هذه الشروح ينتمون إلى مذاهب فقهية سنية مختلفة، وينحدرون من أنحاء متعددة من العالم الإسلامي، من تركيا والهند إلى مناطق مختلفة من أفريقيا. وكان عدد منهم أيضًا من كبار علماء الحديث.
وفيما يلي أحد عشر شرحًا ومؤلفًا معروفًا حول حزب البحر:
- أبو الهدى محمد الرفاعي (ت. 728هـ/1328م)، قلادة النحر في شرح حزب البحر.
- داود بن عمر بن بخيلي (ت. 733هـ/1332م)، اللطيفة المرضية.
- ابن دقماق (ت. 809هـ/1406م)، قطف الزهر من شرح حزب البحر.
- سيدي أحمد زروق (ت. 899هـ/1493م)، شرح حزب البحر.
- شاه ولي الله الدهلوي (ت. 1176هـ/1762م)، حوامي شرح حزب البحر، باللغة الفارسية.
- أبو الإقبال حسن بن علي بن أحمد المنتاوي الأزهري المدابغي (ت. 1170هـ/1756م)، شرح حزب البحر.
- أحمد بن عمر بن أيوب الإزميري (ت. 1180هـ/1766م)، فتح العلي البر شرح حزب البحر.
- مصطفى الكمالي (ت. 1210هـ/1795م)، جنة النصر في خواص حزب البحر.
- محمد بيلو بن عثمان دان فوديو (ت. 1253هـ/1837م)، شرح حزب البحر.
- الحاج إمداد الله المهاجر المكي (ت. 1317هـ/1899م)، حزب البحر.
- يوسف النبهاني (ت. 1350هـ/1932م)، شرح حزب البحر.
الفضائل المنقولة
ترتبط المداومة على قراءة حزب البحر بعدد من الفضائل والفوائد المنقولة، منها:
- الحفظ من الأذى والبلايا والمصائب بإذن الله.
- تفريج الكروب والشدائد والصعوبات.
- تيسير الأمور وقضاء الحاجات المشروعة.
- الحفظ من أذى الإنس والجن.
- السلامة والحفظ في السفر.
- المدد والنصر الإلهي على الأعداء ومن يريد بالمرء سوءًا.
- الحفظ والتحصين الروحي لمن يداوم على قراءته.
- حصول المنافع بحسب إخلاص النية وعلو الهمة الروحية.
القراءة الموصى بها
نُقلت في قراءة حزب البحر الممارسات الآتية:
- للمداومة: يُقرأ حزب البحر بانتظام بوصفه وردًا يوميًا.
- بعد العصر: جرت التوصية تقليديًا بقراءته بعد صلاة العصر.
- عند طلوع الشمس: أوصي أيضًا بقراءته عند طلوع الشمس.
- بعد الصلوات المفروضة: أوصى بعض العلماء بقراءته عقب كل صلاة.
- للحفظ من الأذى والبلاء: يُقرأ بنية طلب حفظ الله من المصائب والأعداء وسائر أنواع الأذى.
- عند الشدة أو لقضاء حاجة معينة: يُقرأ عند مواجهة الشدائد أو طلب قضاء حاجة مشروعة.
- للسفر: يُقرأ بنية طلب حفظ الله وسلامته أثناء السفر.
- لنية معينة: يجوز أن يُقرأ بحسب حاجة المرء ونيته، مع التوكل على الله والاعتقاد بأن جميع النفع والحفظ إنما هما منه سبحانه وتعالى.
فيديو تلاوة حزب البحر
يُتلى حزب البحر على الطريقة التونسية:

حزب البحر PDF
فيما يلي ملفات PDF لحزب البحر متاحة للتحميل:
حزب البحر: النص العربي والنقل الصوتي والترجمة – PDF
حزب البحر بالعربية والإنجليزية – PDF